خواطز الحمار النوميدي … زعيم السانتيكا
كتبهاكمال قرور .. كاتب و صحفي ، في 6 مايو 2007 الساعة: 00:16 ص
زعــيـم الــسـانــتـيـكـا
الإهداء :
إلى الحمار الذهبي لأبوليوس
إلى حمار توفيق الحكيم
إلى حمار رضا حوحو
إلى حمار الكونتيسة دي سيغور
إلى حمار خوان رامون خمينث
إلى حمار محمد زتيلي
إلى جحش عمر البرناوي
أمام بناية النقابة وجدتُ العمال والمسرّحين معتصمين، يرفعون شعارات التنديد بالسياسة المتّبعة في إدارة شؤون الاقتصاد، وذلك بتعيين المديرين إداريا ناهيك عن الرشوة والمحسوبية وإفلاس الشركات والأجور غير المسدّدة لقطاعات مختلفة. وحدهم عمال الإدارات يجوبون الشوارع لرد الفعل وإظهار كذب أشباه العمال المتكاسلين المتمارضين المتهاونين .. عندما اقتربت من البواب قال لي : لاشك انك الحمار الذي يريد مقابلة زعيم السانتيكا .. رغم أن الظرف غير مناسب .. فانه فضل أن يسمعك لاشك أن لك/ كتاف عراض/ . ولما دخلت عليه كان يرتب أحجار الشطرنج ووجهه مصفر و"عيناه تائهتان في الأفق الغامض". فقلت في نفسي : ما بال الهمّ لا يغادر المسؤولين؟ لماذا يتشبثون بهذه الكراسي التي لا تدر عليهم سوى اللعنة والقلق .. وفوجئت به يقول لي: صدقت .. قلت: ماذا تقصد ؟ قال ما تفكر فيه وتسأل نفسك أن تجيبك .. ربما الزعامة وحبّ الظهور والطموح وحب الوصول .. أو المغامرة غير المحمودة العواقب .. عندما تكون في منصب مثل هذا فأنت معرض لكل شيء ويجب أن تحسب الأمور مسبقا، ويجب أن تبادر إلى اللعب قبل أن يلعبوا بك .. ويجب أن تنام إحدى عينيك وتبقى الأخرى يقظة سهرانة ترقب الأمور .. ويجب أن تكون دائما محمي الظهر وإلا طعنوك من الخلف ..لا شيء في هذه المناصب اللعينة متروك للصدفة .. فإما أن تكون فاعلا أو مفعولا به .. قلت معتذرا: عفوا على المجيء في هذا الوقت غير المناسب ، وإني لأشكرك على استقبالك، أرجو ألا آخذ من وقتك كثيرا . قال : كل شيء يهون في خدمة / السنيورة / .. ونحن في خدمتها لان أياديها أطول مما تتصور في سرايا الحكم ونفوذها لا يتصوره أحد، ونحن دائما نستعين بها في قضاء مصالحنا قلت: إذا كان ذلك كذلك فأرجو من سيادتكم أن تمضوا تصريحي الآن، وتدعوني اذهب لحال سبيلي. قال: لا تستعجل .. قبل ذلك يجب أن أتأكد أنّ ملفك نظيف حتى لا تورّطني مع المسؤولين « الفوْق « .
قلت: أتمنى أن يكون كذلك، قال : لماذا لم تنخرط في نقابتنا، إنّ اسمك غير موجود في قائمة المنخرطين. قلت: لان النقابة تكون في الأماكن التي تتوفر فيها المصانع ويكثر فيها العمال والإنتاج ويكثر الاستغلال، فتصبح النقابة منبرا للدفاع عن العمال، وتتفاوض باسمهم وتدافع عن حقهم.
أما عندنا فلا مبرر لوجود النقابة فالمصانع موجودة والإنتاج غير موجود وكذلك العمال، لأنهم كلهم مسؤولون »شيفان"، يرجون لقاء زعيمهم، لينالوا برّه وبُرّه وبِرّه، والقلة الباقية التي تعمل تقتل أيامها في العطل المرضية والتبريرات الواهية.
قال: هذا حكم قاس من حمار متعجرف لا يعرف السياسة الاقتصادية للبلاد. فأرجو أن تسحب كلامك و تخفف من قسوتك في الأحكام. قلت : ماذا يعني وجود النقابة في شركة صناعية ضخمة على الورق وعمالها يتقاضون أجورهم من خزينة الدولة ويأخذون هبات وعلاوات .. وماذا نقول عن نقابة في مؤسسة رابحة وخيراتها توزع على المسؤولين والفرع النقابي يتفرج، وتباع المؤسسة بعد إعلان إفلاسها طبعا ويشتريها بعض أصحاب رؤوس الأموال الجدد وتحضر النقابة مراسيم البيع لتزغرد وتغني على الصفقة الرابحة.
قال: احترس من كلامك الجارح ..لو لم تجئنا من طرف المعلمة لكان لي معك شأن آخر . قلت : طلبت الصراحة .. فصارحتك لو طلبت غيرها لما نطقت بكلمة واحدة .. صمت قليلا ثم أمرني أن اكمل كلامي فقلت: نقابة تقوم بنيتها على الطبقة الشّغيلة ، تنسى هموم العمال وتنغمس في السياسة العقيمة، تصفق لفلان وتولول لفلان وتساند علان .. وتصبح بيدقا في أيدي الساسة .. المفروض أن تكون النقابة واعية وناضجة وتعلن عن سياستها وتدعو الآخرين إلى اللحاق بها، وتؤثر في الحكم .. لماذا ؟ هل كان ليش فاليزا أكثر منكم جرأة وشجاعة .. ألستم في مستواه النضالي حتى تصبحوا مجرد قاراقوز لا يسمن ولا يغني من جوع ..
قال : هل أنت مع هذا الطرح .؟ قلت : نعم ولكن قبل كل شيء لابد من خطوط عريضة .. لابد من منهج متبع .. تكتيك .. استراتيجيا .. لابد أن تقنع القاعدة بالمبادئ المتفق عليها، وتهيئها لتحمل الشدائد والصدمات.. قال: والله إنّك لعلى حق وكلامك صواب وقد برّدت لي قلبي .. هذا ما كان يدور بخلدي منذ مدة ولم استطع أن اتخذ قرارا بشأنه.
قلت: إذا أردت أن تخرج من المأزق وتنجو من حراب العمال وبطشهم غيّر الخطاب وسياسة السفسطة، أقنعهم بخطاب براغماتي عملي واضرب في العمق ولا تطفُ على السطح، وكن صريحا إلى أبعد الحدود. وحفّز العمال على واجباتهم وكل الأمور تأتي في حينها.
خرج زعيم العمال إلى الشرفة المطلة على الساحة الثائرة حيث آلاف العمال المطرودين كالنمل متراصين وأصواتهم تكاد تزلزل الأسوار، وما إن رأوه حتى صاحوا جميعا: اهبط إلينا آيها الخائن .. اهبط أيها الجبان ، بائع الضمير بالامتيازات والأشياء التافهة، لقد رهنتنا وبعتنا باسم النقابة وجنيت من ورائنا الأثمان الباهضة، وها أنت تطل علينا من برجك العاجي ولا ينقصك سوى أن تبول علينا نكاية .. ماذا فعلنا حتى نصبح مسخرة ومهزلة في هذا القرن ..؟ الموت لك أيها الخائن .. اللعنة عليك ..
تردّد وكاد يختفي عن الأنظار، لكني شجعته من خلف الستار .. قاومْ، لا تتردّدْ، يجب ألا تعود خطوة إلى الوراء .. وإلاّ كانت نهايتك .. سيكسرون الباب وستجد نفسك وحيدا ولا أحد يدافع عنك .. ستجد اقرب الناس إليك يتنكرون لك .. بل تصبح لهم عدوا بغيظا .. وسيتشفون فيك ويهللون للمصير الذي تلقاه .. وسيبكون ويذرفون دموع التماسيح لأنهم كانوا ضحايا ولم تكن لهم اليد الطولى فيما آلت إليه النقابة من فوضى ووكر "للمصلاحجية والبزناسية" ..
راح يحاول تهدئة العمال من جديد، واستجاب العمال ليسمعوا آخر كلماته قبل أن يسحق وترمى جثته من تلك الشرفة، قال: أيها العمال الأعزاء .. لقد اخطأت .. وأخطأتم .. لقد أخطأنا جميعا ويجب أن نتحمل المسؤولية معا .. هناك أطراف خفية تلعب اللعبة القذرة، ولكن يجب أن نحتكم إلى المنطق وليس المجال مجال عواطف ونرفزة .. لابد من حوار بناء وجاد، ولابد أن تكون لنا نظرة واحدة للأمور، وإلا تشتت أهدافنا وتمزقت صفوفنا, فيستطيع كل من هبّ ودبّ أن يشعل فتيل الفتنة بيننا ..أيّها الأعزاء إنّنا في خندق واحد.. ونواجه المصير المشترك، نحن بدونكم لا نساوي شيئا، وانتم بدوننا لا تساون شيئا أيضا.. لقد أخطأنا جميعا وحان وقت الاعتراف بالخطأ والاعتراف بالخطأ بداية التصحيح.. انتم خربتم المصانع ونحن بعنا الرميم وكسبنا من وراء ذلك الكثير، واعترف للذين كانوا يعملون ومؤسساتهم ناجحة والمسؤولون يأكلون الخيرات .. انتم مذنبون لأنكم تواطأتم بصمتكم ولم تستميتوا في الدفاع عن شرفكم وعن شرف خبزكم .. ونحن تواطأنا وقبضنا الثمن من مصاصي الاقتصاد الوطني .."مستثمرو الخوروطو"..
لست أنا من تطلبون .. لا تصوّبوا حرابكم إلى صدري .. فلست أنا من يشفي الغليل .. ولن اغرر بكم أبدا .. في لحظة صفاء مثل هذه ، وعودة الضمير ، أقول بصراحة نحن أعداء أنفسنا قبل أن يكون الآخرون أعداءنا .. الذين غرروا بنا وجدونا لقمة سائغة، استغفلونا وضحكوا على أذقاننا .. وهانحن نقبض الريح .. لنعد إلى أعمالنا .. نعمل في صمت .. وليكن شعارنا رفع الإنتاج وتحسينه .. لابد أن نواجه السوق بسواعدنا وليس بالخطب الجوفاء التي لاتسمن ولا تغني من جوع .. لتتحد السواعد ولتخرس الألسنة، كان العمال صامتين يستمعون إلى خطابه الجديد الخالي من فيروس الديماغوجية .. لأول مرة فهموه .. لماذا لم يكن يتحدث بهذه المسؤولية .. وهذا الاهتمام .. هضم العمال كلامه الذي يحمل نبرات الصدق .. وبذور الأمل .. تبادلوا النظرات .. ثم صفقوا تصفيقات حارة .. عاشت السانتيكا .. عاش العمال .. لتخرس الألسنة ولتتحد السواعد ..
عاد إلى يتصبب عرقا ، ولم يصدق أنه مازال حيا يرزق، ثم قال: نجحنا .. نجحنا ياله من نصر عظيم .. ما أعظم الإنسان عندما يكون في لحظة صدق .. ما أقواه عندما يكون يدافع عن أفكار صادقة .. وما أتفهه حين يدافع عن الأفكار الضحلة، ولكم يبدو مثل حشرة .. فورا وقع لي الترخيص وشكرني ثم اعتذر لي بأني لابد أن أزور أمين الكتاب ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج




























